محمد كرد علي
307
خطط الشام
ترتجيه . وكلما ضعف الوازع الديني في القوم ، وهاجمتهم عادات الغربيين ، انحلوا من عهدة الوفاء والكرم ، ولذلك ترى الأوفياء والكرماء بعيدين إلا قليلا عن المناطق التي اختلطت بالغريب على سواحل البحر ، وأخذت من معارفه ، وتخلقت بأخلاقه ، واعتادت عاداته . ومنذ شاع الكذب والحسد في الشاميين ، ضعفت مادة حياتهم من التجارة والصناعة ، وكادت ثقة الغرب ترتفع منهم ، وإذا كتب لهم أن عاشوا في الجملة اليوم فبفضل الأسس القديمة التي قام عليها مجتمعهم وجامعتهم ، وبفضل نشاطهم في مهاجرهم حيث رأوا أنفسهم أمام جاليات كثيرة من الأمم اضطرتهم الحال معها أن يظهروا بمظهر الأمانة ليعتاشوا ويرتاشوا . أما التحاسد والمشاغبة فلم تنقطع شأفتهما فيهم حتى في ديار الغربة ، وربما زادهم على ما كانوا ألفوه منها ما رأوه في مهاجرهم عند الأمم الأخرى فاقتبسوه وأضافوه إلى رؤوس أموالهم . وربما بلغت الجالية الشامية نحو ألف ألف نسمة أي نحو سبع سكان القطر ، فما أمرهم باليسير إذا حتى لا يشار إليهم بجملة ، لأنهم على الأقل يمثلون صورة من أهل القطر في الخارج ، والأجانب لا يعرفون إلا أنها صحيحة مطابقة للأصل ، أو أنهم من أمثل طبقات الشعب . ولو تفرقوا في الأرجاء التي ينزلونها ، كما تفرقت قلوبهم في موطنهم الأصلي ، لكان لزاما أن يؤثر ذلك في أخلاقهم وعاداتهم ، ولكنك تراهم في مهاجرهم يجتمعون أهل كل إقليم بإقليمه على الأكثر ، وقد لا تختلط لفائفهم بسكان الديار التي ينزلونها إلا كما يختلط الشامي بالمصري إذا نزل مصر ، يختلط به ليربح منه ويحتفظ بشاميته وتقاليده بعد جيلين وثلاثة وأحيانا بعد أربعة وخمسة . عادات القبائل وأخلاقها : ثمن أو سبع أهل القطر الشامي اليوم أي نحو خمسمائة ألف نسمة بادية أو قبائل رحالة ، ويقال لهم في الاصطلاح : العرب أو العربان ، تصطاف في مكان وتشتو في آخر ، وقلّ من يألف منهم سكنى الدور ، وبيوتهم من الخيام والمضارب تنسج من شعر المعزى ، يعمدونها بعمد ويشدونها بأطناب ،